في سوريا.. السياسة الأمريكية بلا مفاجآت

09:0621/01/2026, الأربعاء
تحديث: 23/01/2026, الجمعة
قدير أوستون

يزخر تاريخ السياسة الخارجية الأميركية بأمثلة لا تُحصى عن توظيف مجموعات شديدة التنوع في مناطق مختلفة من العالم، ثم التخلّي عنها عند انتهاء دورها، أو إعادة استخدامها كورقة في صفقات أكبر. فمن جنوب شرق آسيا إلى أميركا اللاتينية، ومن أفغانستان إلى العراق، اختبرت جماعات ما دون الدولة التي خاضت صراعات على السلطة حقيقة أن الدعم الأميركي ليس دائمًا ولا مضمونًا. ويمكن قراءة التطورات التي شهدتها سوريا في الأيام الأخيرة بوصفها امتدادًا لهذا التاريخ. فالنقطة التي بلغتها العلاقة التي أقامتها واشنطن منذ خريف 2014

يزخر تاريخ السياسة الخارجية الأميركية بأمثلة لا تُحصى عن توظيف مجموعات شديدة التنوع في مناطق مختلفة من العالم، ثم التخلّي عنها عند انتهاء دورها، أو إعادة استخدامها كورقة في صفقات أكبر. فمن جنوب شرق آسيا إلى أميركا اللاتينية، ومن أفغانستان إلى العراق، اختبرت جماعات ما دون الدولة التي خاضت صراعات على السلطة حقيقة أن الدعم الأميركي ليس دائمًا ولا مضمونًا.

ويمكن قراءة التطورات التي شهدتها سوريا في الأيام الأخيرة بوصفها امتدادًا لهذا التاريخ. فالنقطة التي بلغتها العلاقة التي أقامتها واشنطن منذ خريف 2014 مع تنظيم واي بي جي الإرهابي، الذراع السوري لتنظيم بي كا كا الإرهابي، ينبغي النظر إليها على أنها دليل واضح على أن الولايات المتحدة لا تنوي دعم الأهداف السياسية لهذا التنظيم.

فبدلًا من أن يكون جزءًا من مسار الحل، فضّل التنظيم استثمار الفرص التي أتاحتها ظروف الحرب الأهلية السورية، ووقع في وهمٍ مفاده أن الولايات المتحدة ستواصل دعمه وحمايته إلى الأبد، حتى على حساب تركيا. غير أن صعوبة توصيف الوجود العسكري الأميركي في سوريا، خلال الأعوام الاثني عشر الماضية، على أنه مصلحة وطنية مباشرة، إلى جانب توصيف واشنطن دعمها لتنظيم واي بي جي الإرهابي بأنه دعم «مؤقت»، يجعل من غير المبالغ فيه القول إن الموقف الأميركي لم يكن مفاجئًا.


علاقة مؤقتة وتبادلية وتكتيكية


في يونيو/حزيران 2014، أحدث استيلاء تنظيم داعش على الموصل، وتقدّمه خلال أشهر قليلة حتى كوباني، وإعلانه ما سُمّي «دولة الخلافة»، صدمة عنيفة في النظام الدولي. ومع انتشار مقاطع الإعدامات التي وثّقها صحفيون أميركيون في الموصل، وتصاعد الغضب في الرأي العام الأميركي، وجد الرئيس باراك أوباما نفسه مضطرًا للتحرك، بعد أن قاوم التدخل في سوريا لما يقارب أربع سنوات.


كان برنامج «التدريب والتجهيز» قد فشل، كما امتنعت الولايات المتحدة عن دعم الفصائل المعارضة التي اعتبرتها «إسلامية»، وتراجع أوباما عن خطه الأحمر المتعلق باستخدام السلاح الكيميائي، وقَبِل باتفاق رعته روسيا، ما أسهم في إضفاء شرعية على نظام الأسد وتثبيت بقائه. وفي أعقاب ذلك، استغل النظام تنظيم داعش ضد المعارضة، وترك شمال البلاد تحت السيطرة الفعلية لتنظيم واي بي جي الإرهابي.


وقد قدم التنظيم نفسه لواشنطن على أنه القوة الوحيدة القادرة على إيقاف داعش، في وقتٍ كان فيه مسار الحل داخل تركيا ما يزال قائمًا، غير أن التنظيم اختار المماطلة. وبدأ في واشنطن آنذاك حديثٌ عن احتمال شطب تنظيم بي كا كا الإرهابي من لوائح الإرهاب.


وردّت إدارة أوباما على اعتراضات تركيا بالقول إن العلاقة مع تنظيم واي بي جي الإرهابي «مؤقتة، تبادلية، وتكتيكية». وقد رأى التنظيم في سياسة أوباما، القائمة على محاربة داعش من دون نشر قوات أميركية برية، فرصة لا ينبغي تفويتها.

وبفضل الدعم الجوي والاستخباري الأميركي، وسع تنظيم قسد/واي بي جي مناطق سيطرته، وبعد السيطرة على منبج بدأ الحديث حتى عن إمكانية الوصول إلى البحر المتوسط.


واستخفّ التنظيم، بإصرار، بصبر تركيا الاستراتيجي وبسياستها الحازمة، وأقام، مستندًا إلى الدعم الأميركي، هيمنة في مناطق ذات غالبية عربية، ما أثار نقمة السكان المحليين والعشائر. وفي المقابل، واصلت تركيا الضغط على حلفائها في حلف الناتو بشأن دعم تنظيم واي بي جي الإرهابي، وقدمت للولايات المتحدة بدائل مختلفة في ملف محاربة داعش. ومع إصرار واشنطن على سياستها، بدأت أنقرة، منذ صيف 2016، تنفيذ عمليات عسكرية مباشرة غيّرت معادلات الميدان.


ترامب: «ما الذي نفعله في سوريا؟»


خلال ولايته الأولى، أعلن دونالد ترامب مرارًا عزمه سحب القوات الأميركية من سوريا، إلا أن إبطاء القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) للعملية، وتفضيلات إسرائيل، ودعم الكونغرس لتنظيم واي بي جي الإرهابي، حالت دون ذلك.

وقد طرح ترامب مرارًا سؤال «ما الذي نفعله في سوريا؟»، في حين حاول وزير خارجيته مايك بومبيو تبرير الوجود الأميركي عبر الحديث عن احتواء النفوذ الإيراني والروسي، غير أن الجميع كان يدرك أن تنظيم واي بي جي الإرهابي ليس مؤهلًا للقيام بهذا الدور.


وبصفته رئيسًا عارض حرب العراق ومشاريع بناء الدول بالقوة، أراد ترامب إعلان هزيمة داعش والانسحاب من سوريا، ولم يقتنع يومًا بأن للولايات المتحدة مصالح حيوية هناك.

كما سعى في أفغانستان إلى الانسحاب عبر اتفاق مع طالبان، مستندًا إلى رفض الرأي العام الأميركي «الحروب التي لا تنتهي». وفي عهد بايدن، استمرت العلاقة مع تنظيم واي بي جي الإرهابي إلى حدّ كبير على حالها، في وقت واصلت فيه تركيا تنفيذ سياساتها عبر عمليات عسكرية مختلفة، وحماية إدلب رغم الضغوط الروسية والنظامية.


ومع سقوط نظام الأسد قبيل بدء ولاية ترامب الثانية، برزت ملامح مرحلة جديدة تمهّد للانسحاب الأميركي. وقد بلغ الأداء الدبلوماسي لإدارة أحمد الشرع ذروته بلقائه ترامب في البيت الأبيض، وتوقيع اتفاق أمني مع إسرائيل.

وأصر ترامب، عبر مبعوثه الخاص إلى سوريا توم باراك، على تنسيق الملف السوري مع تركيا، معتبرًا إياها الفاعل الأبرز المنتصر في سوريا، وساعيًا إلى انسحاب منظم لا يخلّف فوضى شبيهة بأفغانستان. ولتحقيق ذلك، كان لا بد من بسط حكومة الشرع سيطرتها على البلاد.


وقد أسهم استعداد الشرع للتعاون مع واشنطن في ملف مكافحة داعش في تبديد مخاوف القيادة المركزية الأميركية، فيما ساعد الاتفاق الأمني مع إسرائيل على تجاوز اعتراضات تل أبيب والكونغرس. ورغم استمرار تنظيم واي بي جي الإرهابي في المماطلة بتنفيذ اتفاق 10 مارس، المدعوم تركيًا، فإن حكومة الشرع والعشائر أنهت سيطرته على حلب والرقة.


ومن أجل انسحاب واشنطن من سوريا، بات لزامًا عليها خفض مستوى علاقتها مع تنظيم واي بي جي الإرهابي، والإصرار على تنفيذ اتفاق الاندماج مع دمشق. وفي هذا السياق، تبرز التحركات التركية بوصفها عوامل حاسمة: الوجود العسكري الذي قلب موازين القوى، الدعم المستقر للمعارضة، حماية إدلب رغم المخاطر، مسار أستانة الذي قيّد حركة نظام الأسد، الحرب الحازمة على داعش، ومنع توسيع الدعم الأميركي لتنظيم واي بي جي الإرهابي.


وعند هذه النقطة، يتضح أن العلاقة الأميركية مع تنظيم واي بي جي الإرهابي لا تختلف كثيرًا عن سوابقها التاريخية. فواشنطن، القادرة على التكيّف مع توازنات القوى المتغيرة، تبدو مدركة لضرورة خفض مستوى هذه العلاقة، إن لم إنهائها بالكامل. وهو ما قد يُحدث فارقًا كبيرًا على صعيد الحفاظ على وحدة الأراضي السورية وتحقيق الاستقرار.

لقد نجحت سوريا خلال العام الماضي في تجنّب الانزلاق مجددًا إلى الفوضى، واستمرار ذلك أمر بالغ الأهمية لأمن المنطقة وتركيا على السواء. ومع تغيّر المشهد الاستراتيجي، تبدو الولايات المتحدة مضطرة إلى إعادة تقييم دعمها لتنظيم واي بي جي الإرهابي، ولا يَبعُد أن يتراجع هذا الدعم أو يتجه إلى الانتهاء.

#سوريا
#السياسة الأمريكية
#ترامب
#بي كا كا الإرهابي
#واي بي جي