المسلمون يطرحون مقاربة خاصة لمناهضة العنصرية ويعدونها انحرافاً لا حقاً

08:0511/02/2026, الأربعاء
تحديث: 11/02/2026, الأربعاء
ياسين اكتاي

يتعين على حسين جليك، الذي قال: «إن الجماعات الإسلامية والأوساط المتدينة وقفت متفرجة على ما تعرض له الأكراد»، أن يوضح أي جماعات إسلامية وأي أوساط متدينة يقصد. فالأوساط الإسلامية التي نعرفها ونعد أنفسنا جزءاً منها لم تقف يوماً موقف المتفرج تجاه ما تعرض له الأكراد. بل إن المسلمين في تركيا هم الذين أنهوا، بسياسة أكثر واقعية، سياسات الإنكار التي فُرضت على الأكراد في نصيبهم من أراضي العالم الإسلامي التي تم تمزيقها بعد اتفاقية سايكس–بيكو. وإن ما وصلت إليه اليوم معالجة القضية الكردية في تركيا، بل وحتى في

يتعين على حسين جليك، الذي قال: «إن الجماعات الإسلامية والأوساط المتدينة وقفت متفرجة على ما تعرض له الأكراد»، أن يوضح أي جماعات إسلامية وأي أوساط متدينة يقصد. فالأوساط الإسلامية التي نعرفها ونعد أنفسنا جزءاً منها لم تقف يوماً موقف المتفرج تجاه ما تعرض له الأكراد. بل إن المسلمين في تركيا هم الذين أنهوا، بسياسة أكثر واقعية، سياسات الإنكار التي فُرضت على الأكراد في نصيبهم من أراضي العالم الإسلامي التي تم تمزيقها بعد اتفاقية سايكس–بيكو.

وإن ما وصلت إليه اليوم معالجة القضية الكردية في تركيا، بل وحتى في سوريا، هو نتيجة رؤية قائمة على منظور إسلامي. فلو لم يكن للمسلمين نصيب في السلطة، ولو لم يكن الموقف الحازم والمبدئي لأردوغان، لما أمكن الوصول إلى هذه المرحلة من الحل في القضية الكردية.

أم تظنون أن كل ذلك تحقق بفضل تنظيم بي كا كا، الذي ألقى بالشعب الكردي طُعماً أمام الإمبرياليين بسلاحه؟ هل كان بإمكان «تنظيم بي كا كا» أن ينتزع، طوال عشرات السنين من حمل السلاح، شيئاً يُذكر من النظام الكمالي الذي كان يكره الأكراد ويرى فيهم أعداء؟ لقد تحول حراس الوضع الكمالي القائم إلى أسياد لهذه الحرب، وأنشؤوا اقتصاداً قائماً عليها، وكانوا يجنون منها أرباحاً وفيرة. فهل كنتم تظنون أن استمرار هذه الحرب، وسقوط الأطفال الأتراك والأكراد، كان يزعجهم؟


فأين وجه العنصرية في هذه الرؤية التي يطرحها المتدينون؟

إن عدم الترحيب بإقامة دولة قومية جديدة في المنطقة، وهي مشاريع سايكس–بيكو الممددة التي تحرض عليها إسرائيل والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بين حين وآخر، هل يُعد خيانة للأكراد أم مقاومة للمحتلين وأعداء الأتراك والأكراد والعرب؟ نحن نرى أنه الخيار الثاني.

كنت أتمنى ألا أسمع الانتقادات التي تزعم أن المسلمين يهتمون بالمسلمين في أقصى بقاع الأرض، لكنهم يقفون غير مبالين بحقوق الأكراد المجاورين لهم. فالمسلمون لم يكونوا يوماً غير مبالين بحقوق الأكراد، بل سعوا إلى حل مشكلاتهم. أما القدر الأكبر من الاهتمام الذي أبداه المسلمون تجاه المسألة الكردية فقد جاء نتيجة تحريض الاحتلال الإمبريالي ومحاولاته الجديدة لإقامة دولة قومية جديدة، وهي محاولات لا يمكن لأي كردي مسلم واعٍ أن يتجاهل ما وراءها من نوايا ومخططات صهيونية احتلالية. فهل إن تلك الأوساط اليسارية التي تدعي اليوم الدفاع الأكبر عن حقوق الأكراد معنية حقاً بحقوقهم وهويتهم وشخصيتهم، أم إنها تسعى إلى خدمة تلك المخططات الإمبريالية؟


إن لدى المسلمين خططاً ورؤى وفلسفات أفضل بكثير للتعايش المشترك بين الأتراك والأكراد والعرب والشركس والفرس وسائر شعوب المنطقة، مع الحفاظ على كرامتهم وشرفهم واعتبارهم. ولا يليق بهذه الشعوب، ولا يمكن أن يُقبل منها، أن تتبع حركة قومية يُعرف لمن تخدم وما الذي تخدمه.


في سوريا قدم المسلمون أيضاً الحل الحقيقي للأكراد


كيف كان يتوقع حسين جليك من المسلمين، الذين اتهمهم بأنهم «يقلقون على المسلمين في أقاصي الأرض لكنهم يتعاملون بلا مبالاة مع المسلمين الأكراد في شمال سوريا»، أن يُظهروا قلقهم على أكراد سوريا؟

فإذا كان يقصد بالأكراد في سوريا تنظيم واي بي جي، فإن عدم إدراكه أن هذا الكيان جزء من برنامج إمبريالي–صهيوني لا يمكن أن يُعدّ ــ في رأيي ــ إلا فضيحة. لقد كانت هناك أراضٍ وعدت بها الولايات المتحدة أو إسرائيل للأكراد عبر «تنظيم قسد/واي بي جي» في سوريا، وهي أراضٍ لا تعود لا للولايات المتحدة ولا للأكراد، بل سيادة عليها ستكون في الغالب لصالح إسرائيل، حتى وإن لم تُستخدم قط من قبل الأكراد. فهل ينبغي أن نعدّ ذلك حقاً للأكراد؟ وهل ينبغي أن نرى في تفكيك أراضي المسلمين وتوزيعها بهذه الطريقة على قوميات مختلفة، وتسليمها بأيدي الصهاينة، فرصة مشروعة؟ أهذه هي البصيرة السياسية والحكمة والإنصاف؟

لنتجاوز كل تلك الأمور. فقد تعرض المسلمون في سوريا طوال أربعة عشر عاماً ونصف للإبادة الجماعية، وذلك تحت أنظار القوى نفسها التي تدعي اليوم الدفاع عن «تنظيم قسد/واي بي جي». وبينما كانت سوريا تتحول إلى حريق وخراب شامل، كان يجري السعي إلى إنشاء كيان شبه دولتي لصالح «تنظيم قسد/واي بي جي» في مناطق ذات أغلبية عربية، برعاية الولايات المتحدة. وهذا بطبيعة الحال لم يكن حقاً.


كما ينبغي التذكير بأن الأكراد في سوريا، عندما كانوا محرومين حتى من الهوية، كان أردوغان هو من دافع عن حقوقهم. واليوم، في الإطار الدستوري الذي تقدمه الحكومة السورية للأكراد على أساس المواطنة المتساوية، ما هو الحق الذي ما يزال مُنكراً أو منتهكاً أو مُهملاً؟ إن هذا الإطار لم يكن ليُقدم إلا من قبل المسلمين، وقد قدموه بالفعل. وليس لأحد بطبيعة الحال أن يدعي حقاً يتجاوز ما يستحقه. وإن تراجع «تنظيم قسد/واي بي جي» عن الظلم الذي وُعد به تحت رعاية إسرائيل والولايات المتحدة لا يعني أن حقوق الأكراد قد انتُهكت. فليُعلم ذلك.


بدلاً من اتهام المسلمين ينبغي الإصغاء إليهم


وفي هذا السياق، يجدر التأكيد مجدداً أن الذين يتهمون الإسلاميين أو المسلمين اليوم بعدم الاكتراث بقضايا الأكراد، عليهم بدلاً من توجيه هذا الاتهام أن يتلقوا من الإسلام دروساً جوهرية في هذا الشأن. فالإسلام يملك مقاربة خاصة تجاه هذه القضايا. وهذه المقاربة تمثل دعوة للجميع.

دعوة للخروج من بؤس العنصرية إلى شرف الإسلام. ودعوة للارتقاء من الانحصار في خصائص يولد بها الإنسان إلى تحقيق الوجود عبر ما يكتسبه بجهده واختياره وبما يليق بالإنسان. وفي النهاية هي دعوة للخروج من سجن العبودية للإنسان، إلى العبودية لله وحده.


إن الإسلام يلعن ادعاء التفوق بين البشر بسبب صفات يولد بها الإنسان ولا يد له في تكوينها. فبما أنه لا أحد يختار عرقه أو والديه أو مكان ولادته أو لونه أو لغته، فإن التفاخر بهذه الصفات ورفعها إلى مستوى القضية يعده الإسلام ــ بكلمة واحدة ــ «جاهلية».


ليس لطغيانٍ أن يُواجه بطغيانٍ آخر بل برفض كل أشكال الطغيان


يحرر الإسلام الإنسان من أن يجعل هذه الصفات القدرية التي لا يمكن تغييرها أساساً لهويته وقضيته، ومن أن يضيق بها على نفسه، ويخلصه من السجون التي تفرضها تلك القضايا. وإذا كانت هذه الصفات قدراً، فإن القضايا التي تجعلها محوراً لا تعد الناس بتقرير مصيرهم، بل بتحويلهم إلى ضحايا لقدرهم.

أما الإسلام فيشير إلى طريق يفتح أمام الإنسان آفاق الحرية، ويحرره من أن يكون ضحية لقدره. وينقذه من أيدي الطغاة الذين يسعون إلى استعباده عبر قضايا الهوية التي تدفعه إلى أسفل سافلين. ففي كل حركة قومية أفق ضيق ودنيء يُعرض على الإنسان، وللإسلام موقف نقدي عميق من هذا الأفق.


إن أي شعب يقع ضحية قومية متجبرة هو شعب مظلوم يجب على المسلمين نصرته. وكل ظلم يقع على شعب بسبب انتمائه القومي يعني المسلمين. إن مناهضة الظلم والتصدي للظالمين تمثل جوهر رفض الشرك بالله. ومن يتخلف عن هذا الموقف لا يكون قد أدرك المعنى الحقيقي لقول «لا إله إلا الله»، ولا يكون توحيده مكتملاً، وهذه حقيقة لا خلاف عليها.

غير أن الوقوف في وجه طاغية لا يكون بخلق طغيان آخر؛ فمواجهة طغيان بطغيان مماثل ليست حلاً، بل الحل هو رفض كل أشكال الطغيان. ومن الحقائق السوسيولوجية أن القوميات تُنتج قوميات مضادة، لكن تدخل الإسلام يقوم على تقديم بديله الإصلاحي لهذا الواقع العقيم. ولهذا وضع النبي العصبية القومية وثأر الدم تحت قدميه بوصفهما من عادات الجاهلية.

هذا الحقد لا يحرر الأكراد

إن مظلومية الأكراد عبر تاريخ الجمهورية التركية حقيقة لا يمكن إنكارها. وإن تحريرهم من هذا الظلم ونيلهم الحرية التي يستحقونها مسؤولية لا جدال فيها على المسلمين. غير أن الخطاب الذي يهيمن اليوم على قضية مظلومية الأكراد هو خطاب قومية مضادة. وهذه القومية لا تمنح الأكراد حرية من مظلوميتهم الحقيقية، بل تدفعهم إلى مستنقع أكبر، وتنتج نزعة انتقامية جاهلية تقوم على العداء للأتراك والعرب والفرس وشوفينية كردية. وهذا الحقد لا يحرر الأكراد، بل يجعلهم تابعين لقادة هذا الحقد فحسب.

لم يكن الإسلاميون يوماً غير مبالين بالظلم الذي تعرض له الأكراد، بل كان موقفهم الرافض موجهاً إلى النزعات القومية المضادة التي تبناها «تنظيم بي كا كا» وبعض حركات اليسار الكردي السابقة. وعلى العكس من ذلك، فقد واصل المسلمون ــ رغم ما تعرضوا له هم أنفسهم من ظلم بسبب انتمائهم الديني ــ تقديم نقد عميق لمفهوم الظلم بمختلف أشكاله، بما في ذلك القومية.


قد يكون الإسلاميون قد ارتكبوا أخطاء عديدة أو ما زالوا يرتكبونها، لكنهم في هذه المسألة تحديداً ليسوا في موقع النقد الذاتي بقدر ما هم في موقع النقد للآخرين.

#الأكراد
#المسلمون
#الإسلام
#أكراد سوريا
#أردوغان
#تركيا
#سوريا
#نزعة قومية
#العنصرية