"ولد ياسين أكتاي عام 1966 في ولاية سيرت. تخرج من جامعة الشرق الأوسط التقنية قسم علم الاجتماع. حصل على درجتي الماجستير والدكتوراه من نفس الجامعة عمل محاضرًا بين عامي 1992 و 2012 ، في قسم علم الاجتماع في جامعة سلجوق. وكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة يلدريم بيازيد. له العديد من الكتب والمؤلفات. وهو أيضا مستشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان"
إن العملية التي بدأت باعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو وأكثر من 100 شخص هي عملية قضائية. وبالتالي فإن الموقف الذي يجب أن يُتخذ كرد فعل أولي هو احترام قرينة البراءة للأشخاص الذين يخضعون للتحقيق أو الملاحقة القضائية أو الاحتجاز أو المحاكمة. وهذا مبدأ أساسي أحرص دائمًا على مراعاته. ولدينا في تركيا أمثلة كافية تظهر كيف أن سير الإجراءات القضائية جنبًا إلى جنب مع وسائل الإعلام يؤدي إلى أخطاء جسيمة غير قابلة للإصلاح. وقد تطرق صديقنا محمد متينر إلى هذا الجانب من القضية بإنصاف. إن احترام مبدأ افتراض البراءة يقتضي ألّا ينصّب أحد نفسه قاضيًا ولا يصدر أحكامًا مسبقة على أي شخص. فحق الإنسان في عدم تشويه سمعته حق مقدّس لا يجوز المساس به. غير أن لهذا المبدأ وجهًا آخر، وهو أنه لا يجوز أيضًا أن يعلن مسبقًا عن براءة شخص متهم ويحاكم بتهم مختلفة قبل أن يقول القضاء كلمته الفصل.
أولًا: منذ لحظة انطلاق العملية التي استهدفت إمام أوغلو ومن معه، برزت رواية تُصوّرها على أنها مجرد تصفية حسابات سياسية، وهو ما انعكس في موقف دفاعي متطرف يرفض النظر في أي من التهم الموجهة إليه، بل وصل الأمر إلى اتخاذ نهج هجومي يُدين الإجراءات القضائية نفسها ويتهمها بالتحيز. غير أن التهم المطروحة في غاية الجدية، وكلما تعمّقت التحقيقات، ظهرت اتهامات أكثر خطورة. وفي ظل هذا الوضع، فإن تجاهل السلطة القضائية لهذا الكم من الادعاءات لمجرد أن الشخص المعني يشغل موقعًا سياسيًا رفيعًا، أو التزام الصمت حيالها، يعني في جوهره الإخلال بواجبها الأساسي.
ثانيًا: قبل أن تتحول قضايا الفساد، والإهمال الوظيفي، وسوء الإدارة، وانعدام الكفاءة لدى إمام أوغلو والشركات التابعة لبلدية إسطنبول الكبرى، إلى قضية قانونية، كانت الأخبار والمعلومات المتعلقة بها قد انتشرت على نطاق واسع وأصبحت حديث الجميع. وكانت هناك شائعات كافية تستدعي تدخّل الجهات القضائية بشكل تلقائي، بل إن عدم تحركها كان سيُخضعها للشكوك. وهذه الأحداث كانت موضع نقاش طبيعي لدى الرأي العام، ونحن أيضًا كنا نناقشها. وبما أنه من المتوقع أن تُكشف المزيد من الوثائق والأدلة في الفترة القادمة، فإنه لا يمكن منع سير المحاكمة بمشاركة الرأي العام.
ثالثًا: إن معظم المعلومات والوثائق والشكاوى التي كانت أساسًا لهذه العملية جاءت من داخل حزب الشعب الجمهوري نفسه. بمعنى أن الدعاوى التي حركت القضاء لم تأتِ من أطراف خارجية أو معارضة سياسية، بل استندت إلى وثائق وشهادات قدّمها أشخاص من داخل البلدية ينتمون إلى الحزب نفسه. فعلى سبيل المثال، في شهر مارس، تم تسريب مقطع فيديو داخل مكتب محاماة لأشخاص وهم يفرغون حقائب مليئة بالنقود على الطاولة ثم يحصونها بواسطة ماكينة إلكترونية. وبإجراء تحقيق بسيط، تبيّن أن هؤلاء الأشخاص على صلة وثيقة بشخصيات تُعتبر "الصندوق الأسود" لأكرم إمام أوغلو. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل إن من قاموا بتسريب هذه المشاهد دعّموها بمعلومات إضافية وتقارير إخبارية لا يمكن لأي مدعٍ عام أن يتجاهلها. فقد تم التأكيد بشكل واضح، أن صفوف الأموال المتراصة أفقيًا ورأسيًا التي تظهر في الفيديو، جاءت من أصحاب شركات الإنشاءات الذين نجحوا في الحصول على مناقصات من بلدية إسطنبول، أي أنها كانت بمثابة رشاوَى. كما أن الأشخاص الذين أبلغوا عن هذه الوقائع وأدلوا بهذه المعلومات لم يكونوا من حزب العدالة والتنمية، بل من داخل حزب الشعب الجمهوري نفسه.
وسبق أن أُثيرت اتهامات بالفساد ضد بلديتي "بشيكتاش" و"بيكوز"، والتي تم الإبلاغ عنها أيضاً من قبل أشخاص داخل البلدية نفسها، عبر بلاغات تضمنت أدلة بالغة الجدية لم يكن بإمكان أي مسار قضائي تجاهلها. وعندما بدأت التحقيقات وأسفرت عن تنفيذ عمليات أمنية شملت رئيس البلدية، كشفت الاعترافات التي أدلى بها بنفسه عن كم هائل من المعلومات والوثائق التفصيلية. وقد شكلت هذه الأدلة تدريجياً دائرة قانونية أخذت تحكم الخناق شيئا فشيئا على إمام أوغلو.
وفوق ذلك، فإن حزب الشعب الجمهوري يعيش حالة من التوتر المتزايد بسبب الشائعات المتداولة حول الأموال التي وُزعت على المندوبين في المؤتمر العام. وقد كشف الرئيس السابق للحزب، كمال كليجدار أوغلو أمام أعين الجميع، عن هذه التدخلات التي أفسدت العملية الانتخابية داخل المؤتمر، والتي وصفها بالتدخلات الفاسدة. وهذه ليست اتهامات هامشية، أو محاولة رخيصة لتشويه سمعة خصمه الفائز، كما اتضح لاحقا.
وتجدر الإشارة إلى أن الأخبار المتداولة بشأن شهادة إمام أوغلو الجامعية ظهرت كرد فعل من بعض الأطراف ضد صعوده والمنافسة غير العادلة التي يمارسها ضد خصومه من حزب الشعب الجمهوري. وهذه الادعاءات لم يثرها حزب العدالة والتنمية. كما أن كون شهادة إمام أوغلو مضى عليها ثلاثون عامًا لا يمنحه حقًّا مكتسبًا أو يعزز شرعيته، بل على العكس، حتى لو سقطت المسألة بالتقادم من منظور القانون الجنائي، إلا أن البعد الأكاديمي للأمر مختلف، فما تم الحصول عليه بطرق غير مشروعة يبقى بلا قيمة ولو مر عليه قرن من الزمن. كما أن هناك بُعداً أخلاقياً وسياسياً لهذه المسألة؛ فمن حصل على شهادته بأساليب ملتوية ومخادعة، من الطبيعي أن تُثار الشكوك حول نزاهته في جميع أعماله، وهو ما تؤكده الوقائع التي نشهدها اليوم.
ورغم ذلك فإن الذين يفسرون هذه العملية على أنها مجرد تصفية حسابات سياسية لا يدركون أنهم وقعوا في فخ الحملة الإعلامية التي يروج لها إمام أوغلو ومحيطه. إذ يتمسكون بوهم مفاده أن فوزهم في الانتخابات قبل عام ضد حزب العدالة والتنمية بفارق كبير يمنحهم حصانة فعلية ضد أي ملاحقة قانونية. وربما كان هذا الوهم هو الذي أتاح تفشي الفساد بلا حسيب ولا رقيب. غير أن العمليات التي جرت في بعض مناطق إسطنبول أظهرت بوضوح أن التصور السائد لا يوفر أي حماية. ولا شك أن هناك تردداً داخل حزب العدالة والتنمية خشية أن يُنظر إلى هذه العملية على أنها استخدام للقضاء كسلاح ضد خصومه السياسيين. وربما لو كان القرار بيد الحزب أو حتى بيد الرئيس أردوغان، لكان التعامل مع الأمر أكثر حذراً. إلا أن الكم الهائل من الأدلة التي ظهرت حول الفساد والرشوة والتعاون مع التنظيمات الإرهابية، جعل من التردد في هذا الملف خياراً أكثر كلفةً من الإقدام على المحاسبة. ففي هذه المرحلة لم يعد التراجع عن فتح التحقيقات إلا مجازفة أكبر، تعني السكوت عن فساد بات مكشوفاً وتهديداً صار يشكل خطراً حقيقياً للأمن القومي.
أما سعي إمام أوغلو لإعلان نفسه مرشحًا للرئاسة قبل أكثر من ثلاث سنوات من موعدها، فلا يمكن تفسيره إلا على أنه محاولة يائسة لإقامة درع سياسي يقيه من الضغوط المتزايدة حوله. ويبدو أنه كان يظن أن هذا الدرع سيمنع القضاء، الذي يعتبره تابعًا للحكومة، من المضي قدمًا في العمليات الموجهة ضده.
وبطبيعة الحال، فإن انطلاق هذه العملية برمتها من داخل حزب الشعب الجمهوري نفسه، استنادًا إلى بلاغات وشكاوى من كوادره، يعكس حجم استيائهم المتزايد إزاء النهج الاستبدادي العدواني الذي يمارسه إمام أوغلو داخل الحزب. فمن خلال أسلوبه الاستبدادي، ومحاولته احتكار الترشح للرئاسة، بات أشبه بكابوس احتلالي يخيم على الحزب. وأي حزب سياسي يواجه هذا النوع من الاحتلال لا بد أن تنشأ داخله حركات مقاومة ضده، وما يحدث اليوم هو تعبير عن ذلك. إنه باختصار تحرر حزب الشعب الجمهوري من احتلال إمام أوغلو.
مرحبًا، تشكل التعليقات التي تشاركها على موقعنا مصدرًا قيمًا للمستخدمين الآخرين. يرجى احترام المستخدمين الآخرين والآراء المختلفة. تجنب استخدام لغة نابية أو مسيئة أو مهينة أو عنصرية.
كن أول من يترك تعليقًا.
انقر هنا لتلقي أهم الأخبار في اليوم عبر البريد الإلكتروني. اشترك هنا.
بعد إنشاء العضوية تكون قد وافقت على تلقي الإشعارات من مواقع مجموعة ألبيرق الإعلامية وعلى شروط الاستخدام وسياسة الخصوصية
اسم BIST محمي مع الشعار وفق شهادة ماركة محمية، لا يجوز الاستخدام دون إذن، ولا يجوز الاقتباس ولا التحوير، كل المعلومات الواردة تحت شعارBIST محفوظة باسم BIST ، لا يجو إعادة النشر. بيانات السوق توفرها شركة iDealdata Finans Teknolojiler A.Ş. بيانات أسهم BİST تتأخر 15 دقيقة