الحملة الصليبية الحديثة ومسألة المسكونية

11:401/12/2025, الإثنين
تحديث: 1/01/2026, الخميس
سليمان سيفي أوغون

انتهت زيارة البابا إلى تركيا، التي ركزت اهتمام العالم بأسره على إزنيق وإسطنبول، تاركة وراءها الكثير من النقاشات في الرأي العام. من وجهة نظري، زيارة البابا لإزنيق وإسطنبول لا تحمل قيمة خاصة أو أهمية بالغة بالنسبة لنا. فقد زار العديد من البابوات تركيا من قبل، وشاركوا في طقوس دينية مختلفة، أي أن هذه ليست الزيارة البابوية الأولى. لطالما أثارت زيارات البابا انزعاج بعض الفئات ذات الحساسية الدينية القوية والحادة. وهناك دائمًا من يتساءل: "ما شأن البابا في هذه الأراضي التي غالبية سكانها من المسلمين؟". ومع

انتهت زيارة البابا إلى تركيا، التي ركزت اهتمام العالم بأسره على إزنيق وإسطنبول، تاركة وراءها الكثير من النقاشات في الرأي العام. من وجهة نظري، زيارة البابا لإزنيق وإسطنبول لا تحمل قيمة خاصة أو أهمية بالغة بالنسبة لنا. فقد زار العديد من البابوات تركيا من قبل، وشاركوا في طقوس دينية مختلفة، أي أن هذه ليست الزيارة البابوية الأولى.

لطالما أثارت زيارات البابا انزعاج بعض الفئات ذات الحساسية الدينية القوية والحادة. وهناك دائمًا من يتساءل: "ما شأن البابا في هذه الأراضي التي غالبية سكانها من المسلمين؟". ومع ذلك، تعاملت الدولة مع البابوات ليس فقط كرؤساء دول، بل كقادة روحيين لملايين البشر الذين يعيشون تحت أعلام دول مختلفة، وقدمت لهم أعلى درجات الاستقبال وفق البروتوكولات الرسمية.


أعتقد أننا نشعر ببعض الانزعاج من ردود الفعل خلال زيارات البابا. ولكن، بحسب ما أذكر، لم تصل الأمور إلى هذا المستوى من الضجيج من قبل. السبب هو اجتماعات البابا مع البطريرك، وتوقيع بيان مشترك، والمشاركة في طقوس دينية مشتركة. وتتركز ردود الفعل الأكثر سطحية وجهلاً في هذا السياق، مثل: "ها هو تحالف الصليبيين يتكون، وسيهاجموننا جميعًا". وسأحاول تهدئة هذه المخاوف ببعض التوضيح.


خلال النقاشات، تبين لي أن قلة قليلة في هذا البلد تعرف معنى ومفهوم "الوحدة المسكونية" (الإيكومنزم) على نحو صحيح. لنراجع الأمر أولاً: المسيحية، بحسب ادعائها، دين مسكوني بطبيعته، أي أن الإيكومنزم (المسكونية) جزء من طبيعتها. أوسع معنى للإيكومنزم هو شمولية الدين، أي أنه يستهدف وحدة البشرية جمعاء. وهذا يمكن أن يُترجم عندنا إلى "عالمية". أي أن المسيحية تهدف إلى جمع كل الإنسانية تحت وحدة روحية. ديننا كذلك يسعى إلى أهداف مشابهة.


لكن المشكلة معقدة من كلا الطرفين. فالإنسانية ثقافيًا متنوعة ومنقسمة، وجمعها تحت عقيدة واحدة مهمة صعبة للغاية. فالدين يهدف نظريًا إلى توحيد عالم متفرق ومجزأ، لكن عمليًا، حين يصل إلى هذه القطع المختلفة، تتعرض تعاليمه لتفسيرات متعددة وأشكال متنوعة. الفارق بين الغاية والنصوص التاريخية يظهر هنا. ومن الممكن اعتبار هذا التنوع ثراءً، شريطة ألا يحيد عن المبادئ الأساسية. ومع ذلك، فإن هذا التنوع قد يؤدي إلى ظهور تفسيرات متناقضة حتى داخل الدين نفسه، مما يضعف ادعاءاته بالإيكومنزم، ويولد انقسامات وخلافات تصل أحيانًا إلى صراعات دموية. وبالتالي، أكبر الضرر يصيب الدين نفسه نتيجة ادعاءاته بالوحدة المسكونية.


المسيحية عانت بشدة من هذه التوترات. ورغم أن العالم الحديث يبدو أحيانًا وكأن هذه التوترات قد هدأت، إلا أنها مستمرة. السلامات الحديثة بين الأرثوذكس والكاثوليك أو البروتستانت غالبًا ما تكون مؤقتة. الأفراد في هذه الطوائف، حتى لو كبتوا النزاعات داخليًا، يتهمون الآخرين بالانحراف، ويظهر العداء سريعًا عند أول فرصة، أحيانًا بالتعاون مع عوامل أخرى. مثال على ذلك: في أيرلندا الشمالية، حتى أحياء اتحاد البروتستانت "أولستر" وأحياء الكاثوليك "IRA" منفصلة عن بعضها، ويتجنبون أي تحية لبعضهم، وعند أول مناسبة تحدث مواجهات دموية.


الإيكومنزم (المسكونية) الكاثوليكي صالح فقط داخل العالم الكاثوليكي، ولا يعترف به الأرثوذكس ولا البروتستانت. أما البروتستانت فيرون الإيكومنزم (المسكونية) مرتبطًا بالقيم الأخلاقية للمسيح فقط. أما تاريخ الأرثوذكسية فمعقد أكثر؛ فقد انفصل الأرثوذكس عن الكنيسة الكاثوليكية منذ 1054، وكان العداء شديدًا إلى درجة أنه عندما فُكر في الاستعانة بالكنيسة اللاتينية أثناء حصار القسطنطينية، رفض البطريرك بشدة قائلاً: "أفضل ارتداء العمامة التركية بدل قبعتهم". ومع ذلك، فإن الأرثوذكسية نفسها منقسمة داخليًا بحسب استقلالية الكنائس المختلفة: كنيستي الإسكندرية وأنطاكية وبيت المقدس رغم الاعتراف بالبطريرك إسطنبول كمرجع أعلى، إلا أنها تتمتع بالاكتفاء الذاتي، ومع صعود الحركات القومية أصبحت بعض الكنائس الأرثوذكسية وطنية وانفصلت عن إسطنبول، وأصبحت الكنيسة الروسية الأقوى عمليًا.


حركات التقارب بين البابا والبطريرك تمثل أحد المحركات الرئيسية للحركة المسكونية الحديثة. الهدف من الإيكومنزم (المسكونية) هو جمع الطوائف المختلفة وتقوية الروابط بينها. لكنه يظل حركة حسن نية فقط، ولا يمكن أن يولد وحدة حقيقية. على سبيل المثال، البيان المشترك الموقع في إسطنبول يهدف فقط إلى تعايش ودّي بين أعضاء الكنيسة، وحضور بعض الطقوس المشتركة، وليس إلى اندماج حقيقي.


لا يمكن أن يحصل البطريرك على لقب مسكوني مثل البابا، وحتى لو مُنح له، فإن الأرثوذكس، وعلى رأسهم الكنيسة الروسية، سيرفضونه، وربما تتبعه كنائس البلقان. فكرة مسكونية البطريرك في هذه الحالة تصبح مجرد كاريكاتير.


المسألة كلها أن البطريرك يستعرض مع البابا لقبًا مسكونيًا لا قيمة له عمليًا. ومنح هذا اللقب له من قبل المصادر البروتستانتية الأنغلو-ساكسونية يهدف إلى تقليص النفوذ الروسي في العالم الأرثوذكسي. إذا اعتقد البطريرك أن من خلال هذا الاستعراض سيقبل له هذا اللقب عمليًا، فهو مخطئ تمامًا.

#المسكونية
#الحملة الصليبية
#تركيا
#زيارة البابا لتركيا