تحولات العقل

08:4625/08/2025, Pazartesi
تحديث: 1/09/2025, Pazartesi
سليمان سيفي أوغون

يضيق أفق التاريخ أمام أعيننا. فنحن نشهد اليوم انهيار النظام النيوليبرالي، الذي فُرض على العالم طوال نصف قرن بوصفه عقيدة اقتصادية كبرى. لقد تبيّن أن ما جرى تقديمه باعتباره عقلانية اقتصادية، وما رُفع إلى مرتبة القداسة وكأنه عقل مطلق، يخفي في جوهره حسابات ناقصة وعجزًا عميقًا عن التقدير. وكل من لم يستسلم لهذا “العقل” ولم يُصَب بالعمى الفكري، بات يدرك اليوم هذه الحقيقة. أما “العقل التكنولوجي” الذي حلّ محلّ العقل الاقتصادي، فمن المبكر التنبؤ بمآلاته، بل إن حتى المهندسين الذين يطوّرونه غالبًا لا يعرفون

يضيق أفق التاريخ أمام أعيننا. فنحن نشهد اليوم انهيار النظام النيوليبرالي، الذي فُرض على العالم طوال نصف قرن بوصفه عقيدة اقتصادية كبرى. لقد تبيّن أن ما جرى تقديمه باعتباره عقلانية اقتصادية، وما رُفع إلى مرتبة القداسة وكأنه عقل مطلق، يخفي في جوهره حسابات ناقصة وعجزًا عميقًا عن التقدير. وكل من لم يستسلم لهذا “العقل” ولم يُصَب بالعمى الفكري، بات يدرك اليوم هذه الحقيقة. أما “العقل التكنولوجي” الذي حلّ محلّ العقل الاقتصادي، فمن المبكر التنبؤ بمآلاته، بل إن حتى المهندسين الذين يطوّرونه غالبًا لا يعرفون إلى أين قد يقود التاريخ.

يمكن القول إن العالم تحكمه ثلاثة أنماط من العقول: العقل السياسي، والعقل الاقتصادي، والعقل التكنولوجي. وهذه العقول، رغم تداخلها، تختلف في طبيعتها. وأولها وأقدمها وأكثرها هيمنة هو العقل السياسي.


فالعالم القديم كان سياسيًا بحتًا، ولم يعرف عقلًا آخر ينافسه. أما أساليب الإنتاج والتبادل والاستهلاك فلم تكن قد تطوّرت بما يكفي لتُنتج عقلًا اقتصاديًا قائمًا بذاته. قد يبدو هذا غريبًا، لكنني أعتقد أن آلاف السنين من التاريخ القديم لم تكن تحمل طابعًا اقتصاديًا حقيقيًا. صحيح أن مفهوم “الاقتصاد” وُجد كمصطلح، وقد حدّده أرسطو في إطار ضيق باعتباره “تدبير المنزل”. لكن العالم القديم كان في حقيقته ذا طبيعة “ما فوق اقتصادية”. على سبيل المثال، كان للأزتك أو للهند القديمة أنظمة إنتاج وتبادل واستهلاك، لكنها لم تكن تُقاس بقيمة اقتصادية بالمعنى الحديث.


ولكي يتمكن أي نمط من أن يوجّه مسار التاريخ، لا بد أن يحوز طابعًا عامًا وعمقًا مؤسساتيًا. وفي العالم القديم، كانت الدولة وحدها صاحبة السلطة في المجال العام. فهي التي كانت تمسك بالسيف بيد، وبالقوانين بيد أخرى، وتشيّد شبكة مؤسساتية تُخضع أساليب الإنتاج والتبادل والاستهلاك لرقابتها باسم النظام.


غير أن التراكم الرأسمالي في القرنين الأخيرين — وربما الثلاثة — بدأ يقلب هذه المعادلة تدريجيًا.


إذ حولت القوى الاقتصادية الصاعدة أنماط الإنتاج والتبادل والاستهلاك إلى أنماط اقتصادية ذات عمق عام، وأصبحت قادرة على تهديد احتكار الدولة للمجال العام الممتد لآلاف السنين. والعجيب أن هذا التوتر، على عكس ما يُصوّر أحيانًا، لم يتحول إلى صراع دموي شامل بين الدولة والاقتصاد. بل على العكس، استفادت الرأسمالية من قوة الدولة المركزية، فالرأسمالية — خلافًا للخطاب الشائع — لا تؤمن بتعددية السوق، إذ ينتهي تراكمها دائمًا بالاحتكار. ولهذا كانت القوى الاقتصادية حريصة على الاستفادة من الدولة كقوة مركزية. ولم يكن التزامن بين صعود الرأسمالية الزراعية والتجارية وبين إعادة بناء الدولة البيروقراطية مجرد مصادفة، بل أدى إلى نشوء وهم “الاقتصاد السياسي”. فقد وقع ريكاردو وماركس في هذا الوهم، واعتقدا أن الدولة خضعت لسيطرة الاقتصاد. لكن الحقيقة كانت أكثر تعقيدًا: فالعلاقة بينهما قائمة على تعاون محفوف بالمخاطر؛ فكل طرف بحاجة إلى الآخر، لكنه في الوقت نفسه يتوجس منه.


فالاقتصاد في جوهره لا يحب الدولة، والدولة بدورها لا تحب الاقتصاد. فالدولة تستقطع من الاقتصاد عبر الضرائب، وهو ما يتعارض مع منطق العقل الاقتصادي القائم على تعظيم الربح. أما الدولة، فلا تقبل شريكًا ينافسها في المجال العام. وهكذا تتجلى التوترات بين السياسي والاقتصادي، بدءًا من نسب الضرائب وتتبع الإنفاق العام، وصولًا إلى تعقيدات أعظم في السياسات العامة.


ومع ذلك، لم تتردد القوى الاقتصادية في اللجوء إلى الدولة كلما واجهت أزمات رأسمالية خانقة. والنظام الدولي الذي أُقيم بعد الحرب العالمية الثانية كان شاهدًا على هذا. حينها تراجعت أطروحة “الاقتصاد السياسي” لتحلّ محلها صيغ جديدة من “السياسة الاقتصادية” بقيادة الدول الاجتماعية. غير أن سبعينيات القرن الماضي شهدت انقلابًا جديدًا، إذ شنت القوى الاقتصادية حملة واسعة لتفكيك هذه الصيغ. وهكذا جاءت موجة النيوليبرالية، التي استهدفت تقويض الدولة الاجتماعية عبر تفكيك قنوات إعادة التوزيع وتقليل الضرائب. فحُمّلت الدول والبيروقراطيات وزر الأزمات، وصُوّرت على أنها العدو.


لكن هذا “العقل الاقتصادي” سرعان ما وصل إلى مأزق. فمنذ مطلع الألفية الجديدة، أخذ يتراجع، تاركًا خلفه أزمات متتالية: ركودًا، تفاوتًا عميقًا، جماهير غاضبة ويائسة. وهنا عادت الدول بردود فعل انتقامية، فصعدت الشعبوية، وتبعتها نزعات فاشية ونزية.


وفي خضم الصراع المتنامي بين العقلين الاقتصادي والسياسي، ظهر متغير جديد لم يكن في الحسبان: تحوّل التقنية إلى تكنولوجيا، ثم إلى “تكنو”. ومع الذكاء الاصطناعي بلغ هذا المتغير ذروته، مُنتجًا عالمًا رقميًا واسعًا.


هذا “العقل التكنولوجي” يكوّن اليوم قواه الخاصة، ويؤسس أوليغارشية جديدة متداخلة مع الدولة والاقتصاد، لكنها في بعض الجوانب مستقلة عنهما. وقد ذهب بعض المعلقين إلى الزعم بأنه سيقضي على الاثنين معًا. لكنني لا أرى ذلك. نعم، من المرجح أن نعيش في عالم تكنو-اقتصادي وتكنو-سياسي، وأن يُعاد ترميز كل شيء إلى لغة رقمية. لكن من غير الواقعي الاعتقاد أن “شباب الكراجات” أو أصحاب الشركات الناشئة في وادي السيليكون قادرون وحدهم على حكم العالم. فالعالم الجديد سيتحدد بمآلات الصراع بين الأوليغارشيات القديمة والجديدة، وبمدى قدرتها على التوافق في مواقع معينة

#تحولات العقل
#العقل السياسي
#ضرائب
#الرأسمالية