
لا تُنقل إلى الرأي العام مجريات هذا النوع من القمم ولا الاتفاقات التي يتم التوصل إليها كما هي. فبعد ساعات من الاجتماعات، جاءت تصريحات الزعيمين مقتضبة للغاية. إن غياب الشفافية في مثل هذه اللقاءات يُربك وسائل الإعلام السطحية، فتجد نفسها أمام فراغ، وأبرز ما يحدث في هذا الفراغ هو محاولات استخلاص استنتاجات حول محتوى القمة من بعض الصور والمشاهد. فيُحلّل المراقبون وجوه القادة المشاركين وحركات أجسادهم ومراسم الاستقبال بحثًا عن دلالات.
خلال متابعتي للبث المباشر، لفتني كمّ التعليقات المثيرة. فبعض الصحفيين الذين اكتفوا بمشاهدة مراسم الاستقبال عبر الكاميرات، ذهبوا إلى اعتبارها بروتوكولًا متواضعًا صُمّم خصيصًا لإهانة بوتين .
لكن تبيّن لاحقًا أنّ المراسم كانت منسجمة تمامًا مع البروتوكول. كما برز من فسّر عروض الطائرات الحربية الأمريكية المتطورة بأنها رسالة تهديد من ترامب إلى بوتين. وآخرون رأوا في ظهور لافروف بكنزة كتب عليها “СССР” (الاتحاد السوفيتي) تذكيرًا من موسكو بقوتها في وجه واشنطن. باختصار، ضحكتُ كثيرًا واستمتعتُ بما رأيت. وحقًا استغربت: متى أنجبنا كل هذا العدد من خبراء لغة الجسد وفك رموز الرموز الخفية؟
في الواقع، كانت الصور شديدة التحفّظ. ترامب وبوتين، قبل بدء الاجتماع، وقفا أمام الصحافة لالتقاط الصور. جلسا طويلًا جنبًا إلى جنب دون أن يغيرا من وضعية جسديهما أو يبديا تعبيرات وجه مختلفة أو حركات واضحة. لم يتجاوبا مع أسئلة أو استفزازات بعض الصحفيين الموجهة. وفي لحظة ما، قال بوتين شيئًا لم يُفهم. ثم أُخرج الصحفيون وأُغلقت الأبواب. وبعد ساعات، خرج الزعيمان مجددًا بوجوه جامدة كأنها وجوه لاعبي البوكر، وأدلوا بتصريحات قصيرة وسطحية وأنهوا اللقاء.
أعتقد أنه من الضروري إدراك أمر مهم: هذه القمة لم تكن مجرد محاولة لإصلاح العلاقات الأمريكية-الروسية التي وصلت في عهد بايدن إلى حافة الانهيار. بل كانت قمة استباقية تمثل نقطة انطلاق لسلسلة لقاءات جديدة. لم يجتمع ترامب وبوتين هكذا عرضًا؛ بل بعد أشهر من محادثات تمهيدية – بعضها تسرب إلى الإعلام وبعضها ظل طي الكتمان – نضجت الظروف لعقد قمة تقرّر بشأنها من الجانبين. مجرد انعقادها يشير إلى أن الطرفين قد توصلا أصلًا إلى تفاهمات حول عدد من القضايا الجوهرية. لم تبدأ القمة من الصفر؛ بل أُغلقت الملفات المتفق عليها، وربما جرى فقط التذكير بها وتبادل التأكيدات، وهو ما قد لا يستغرق أكثر من 10 إلى 15 دقيقة.
إذًا، هل دار النقاش حول القضايا الخلافية؟ نعم، لكن حول تلك التي يمكن التفاوض بشأنها. أما غير القابلة للنقاش، فأُغلقت ملفاتها. ومن الناحية التقنية للمفاوضات، فهذا طبيعي ومتوقّع. بمعنى أن الزعيمين وفريقيهما المصغرين ركزوا على القضايا التي تُرك فيها مجال للمساومة ضمن صلاحيات الرئيسين. فإذا تحقق تقدم، فذلك جيد، وإن لم يتحقق تُحفظ الملفات جانبًا ويُغلق النقاش عليها، بينما يُمنح الاهتمام الأكبر للقضايا المتفق عليها. هكذا على الأرجح جرت الأمور في ألاسكا.
ورغم أننا لا نعرف التفاصيل، يتضح أن النقاط المتفق عليها تفوقت على نقاط الخلاف. وهذه النتيجة لن تقتصر على توازنات القوة بين الدولتين العظميين فحسب، بل ستكون لها آثار متعددة الأطراف وعالمية. أشك أن يكون هناك بلد واحد لن يتأثر بمخرجات ألاسكا. ومع ذلك، لا ينبغي مقارنتها بمؤتمر يالطا. ففي يالطا اجتمع قادة الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الثانية بكامل هيئاتهم: ستالين، تشرشل وروزفلت. كان لقاءً لتقسيم العالم، وبعده افترقت الطرق بين الاتحاد السوفيتي والغرب، لتبدأ الحرب الباردة. في الحقيقة، يالطا كانت بمثابة تأسيس للحرب الباردة ووضع قواعدها. أما ألاسكا، فلا تحمل مثل هذه الدلالات. لم تكن على الطاولة لا أوروبا، ولا الصين، ولا حتى الهند.
أُشبه قمة ألاسكا بالتحالفات المؤقتة التي سبقت الحرب العالمية الثانية، والتي كانت في غاية الهشاشة ودخلت التاريخ بوصفها اتفاقيات غير موثوقة. لنتذكر: صعود هتلر لم يكن يثير قلق بريطانيا، بل كان هناك إعجاب واسع وعميق بالنازية في أوساطها. الملك إدوارد الثامن وعشيقته السيدة سمبسون كانا من أبرز المعجبين بهتلر. رئيس الوزراء تشامبرلين كان يرى في النازيين أداة مناسبة لاستخدامها ضد السوفييت ويشجعهم. من جهته، أبرم ستالين مع هتلر اتفاق عدم اعتداء، لكن ما الذي حصل لاحقًا؟ هتلر هاجم بريطانيا ثم الاتحاد السوفيتي معًا.
وعليه، فلن يخرج عن قمة ألاسكا، ولا عن القمم الأمريكية-الروسية التي ستتلوها، نظام عالمي جديد شبيه بما بعد يالطا. فاستمرارية هذا التقارب غير مضمونة. نعم، قد يتواصل الانفتاح بين واشنطن وموسكو، وربما يتعمق ليشمل الهند أيضًا، لكن عندها ستواجه مقاومة من الدول المستبعدة ومن القوى التي تقف خلفها. الصين وبريطانيا (مع كندا وأستراليا وسائر الدومينيونات) وألمانيا وفرنسا هي أوّل ما يخطر بالبال. ورغم تراجع نفوذ بعض الأوروبيين، لا يمكن الاستهانة بهم. ولا أظنهم سيلزمون الصمت تجاه قمة ألاسكا أو يكتفون بتمريرها. هل قوتهم كافية لمواجهة ذلك؟ لا أعلم، لكنني أتساءل بفضول عن الأوراق التي ستكشفها بريطانيا أو الصين.
ربما لا يظهر هذا الصراع على السطح، لكن ما يجري في “الداخل” سيكون أكثر أهمية. بالنسبة لبوتين، لا يواجه خطرًا داخليًا يُذكر. أما ترامب، فالوضع مختلف، ومن الضروري التوقف عند قراره إنزال الحرس الوطني إلى الشوارع بذريعة مختلفة.
من مصلحة صُنّاع القرار في تركيا أن يأخذوا هذه الاحتمالات في الحسبان بدقة، لما قد يترتب عليها من نتائج واسعة.
اسم BIST محمي مع الشعار وفق شهادة ماركة محمية، لا يجوز الاستخدام دون إذن، ولا يجوز الاقتباس ولا التحوير، كل المعلومات الواردة تحت شعارBIST محفوظة باسم BIST ، لا يجو إعادة النشر. بيانات السوق توفرها شركة iDealdata Finans Teknolojiler A.Ş. بيانات أسهم BİST تتأخر 15 دقيقة