أوروبا تحت الضغط الروسي–الأميركي.. مثلثان يتواجهان في الشرق الأوسط

09:0124/01/2026, السبت
تحديث: 27/01/2026, الثلاثاء
نيدرت إيرسانال

"كنا نعلم أن حكاية “النظام القائم على القواعد” زائفة جزئيًا. كنا نعلم أن الأقوياء يعفون أنفسهم من هذه القواعد متى شاءوا. وكنا نعلم أيضًا أن قواعد التجارة تُطبق بصورة غير متكافئة، وأن القانون الدولي يُدار بشكل مختلف تبعًا لهوية المتهم أو الضحية. ومع ذلك، كانت هذه البنية تعمل. فالهيمنة الأميركية أسهمت في تأمين طرق الملاحة البحرية المفتوحة، ونظام مالي مستقر، وأمن جماعي، وآليات لحل النزاعات. ولهذا أبقينا اللافتة في الواجهة. وشاركنا في الطقوس. وتجنبنا التصريح الواضح بالفجوة بين الخطاب والواقع. لكن هذا

"كنا نعلم أن حكاية “النظام القائم على القواعد” زائفة جزئيًا. كنا نعلم أن الأقوياء يعفون أنفسهم من هذه القواعد متى شاءوا. وكنا نعلم أيضًا أن قواعد التجارة تُطبق بصورة غير متكافئة، وأن القانون الدولي يُدار بشكل مختلف تبعًا لهوية المتهم أو الضحية. ومع ذلك، كانت هذه البنية تعمل.

فالهيمنة الأميركية أسهمت في تأمين طرق الملاحة البحرية المفتوحة، ونظام مالي مستقر، وأمن جماعي، وآليات لحل النزاعات. ولهذا أبقينا اللافتة في الواجهة. وشاركنا في الطقوس. وتجنبنا التصريح الواضح بالفجوة بين الخطاب والواقع. لكن هذا لم يعد يعمل اليوم".

لا بد أنكم سمعتم أو تابعتم خطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في منتدى دافوس–المنتدى الاقتصادي العالمي. لا تظنّ أن من صفقوا قائلين «إنه يقول الحقيقة»، ولا أولئك الذين دافعوا لعقود عن هذه “الحقائق”، يشعرون اليوم بندمٍ حقيقي لأن “النظام” الذي أقاموه على أنقاض أرواح الناس وممتلكاتهم قد وصل إلى عقر دارهم! كل تلك الكلمات ليست سوى خطابات «طلب الاستفادة من تخفيف العقوبة مقابل الاعتراف"


لكن… فات الأوان. دافوس هذا العام كان مكتظًا جدًا! وهكذا يكون الأمر لدينا أيضًا؛ فـ«بيت العزاء» يكون مزدحمًا دائمًا

هناك، في دافوس، يقوم معبد النظام الاقتصادي المؤسسي، ذلك النظام الفاسد الذي أشار إليه رئيس الوزراء الكندي. ومن الطبيعي أن يدفعوا هم أيضًا ثمن الانتقال إلى نظام متعدد الأقطاب، وفاتورة «أميركا ترامب».


وجاء اجتماع دافوس في توقيت متزامن مع أزمات غرينلاند وغزة وأوكرانيا والأزمة الاقتصادية، فبلغ التفكك بين أوروبا والولايات المتحدة حدّ «الدمار». صحيح أن خطوة الاتحاد الأوروبي نحو إلغاء اتفاقه التجاري مع واشنطن، وقضية غرينلاند، قد خفّتا بعد تدخل الأمين العام لحلف الناتو، لكن ذلك لن يغيّر حقيقة «فوات الأوان» المذكورة أعلاه. أما الموضوع الجوهري لدافوس، أي «المال–السياسة»، فقد تراجع إلى الظل تحت وطأة هذه الأزمات الكبرى.

ومع ذلك، حاولت «مجالس الرؤساء التنفيذيين» خلف الأبواب المغلقة استشراف طرق النجاة في العالم الجديد. لكن حديثنا ليس هذا، بل التوتر الأوروبي–الأميركي، وغرينلاند، و«مجلس السلام»، وأوكرانيا… وما الذي ستفعله «أوروبا وبريطانيا» لتجاوز هذا المأزق.


لن أطيل التحليل حتى لا أفسد عطلة نهاية الأسبوع؛ هل تريد الولايات المتحدة غرينلاند؟ نعم، تريدها. وماذا قالت روسيا ساخرة؟ «تساوي 200 إلى 250 مليونًا». تخيّل: يجري تفاوض أميركي–أوروبي على غرينلاند، بينما تحدد روسيا السعر! خلف هذه السخرية دراما جيوسياسية قاسية؛ فروسيا وأميركا تضغطان على أوروبا.

واشنطن وموسكو تُنهكان بريطانيا وأوروبا معًا. والمشهد يتجه نحو «أوروبا على مقاس ما يريده ترامب وبوتين». وهم يبحثون عن مخرج، لكنهم «لن يستفيدوا من الندم المتأخر». الضوء الوحيد الذي يرونه هو الصين.


لا شك أن أوروبا ستعود فورًا إلى ذلك النظام الذي تتوب عنه اليوم إذا ما خفف ترامب أو بوتين قبضتهما قليلًا. لكن لا نعلم إن كانوا سيستخدمون الصين كورقة ضغط فقط، أم سيذهبون فعلًا إلى تحالف أوروبي–صيني جدي. المؤكد أنهم بدأوا هذه الخطوات. ولن أدخل هنا في تفاصيل الاتفاقات التجارية الثقيلة أو الاجتماعات السرية، بل سأكتفي بأمثلة «سطحية» واضحة: رئيس الوزراء الكندي يتوجه هذا الأسبوع إلى الصين. بريطانيا ذهبت عشرات المرات. والألمان كذلك.

أما مثال بريطانيا، فهو أن «خطط الصين لافتتاح سفارة جديدة وضخمة جدًا في العاصمة لندن أثارت جدلًا واسعًا. وقد وافقت الحكومة البريطانية على مشروع بناء ما يُسمّى بالسفارة العملاقة». (حرييت، 20/01). لعلهم فكروا بهذا المسار بعد أن خسروا الهند لصالح روسيا، خلافًا لما كان متوقعًا!


قد تكون المياه هدأت حول غرينلاند، لكنها لم تصفُ بعد. فالقضية لم تنتهِ. الولايات المتحدة لن تتخلى عنها؛ اقتصاديًا، دبلوماسيًا، وبكل السبل… باستثناء استخدام القوة المباشرة، المؤجَّلة حاليًا فقط. تذكّروا عبارة ترامب: «إن قلتم نعم سنكون ممتنّين، وإن قلتم لا فلن ننسى».


وكذلك شأن «مجلس السلام»؛ فقد بدأ كمنصة خاصة بغزة، ثم تحوّل إلى نقاشات حول ما إذا كان سيأخذ «وجهًا جديدًا» ويغدو أشبه بأمم متحدة جديدة. وهنا ينبغي التوقف عند قول ترامب: «أنهيت ثماني حروب، ولم أرَ الأمم المتحدة في واحدة منها»…


هذه النقاشات، وإن بدت أوروبية المركز ومنطلِقة من دافوس وتمتد إلى الصين، إلا أن لها أبعادًا تمسّ تركيا مباشرة، بما في ذلك الملف السوري، وهي أبعاد بالغة الأهمية والخطورة.


هناك مثلثان: تركيا–السعودية–باكستان، وإسرائيل–الإمارات–الهند، وإيران بوصفها حالة مستقلة. مقاربة الولايات المتحدة لهذه المثلثات ليست خيارًا انتقائيًا؛ فهي تريدها جميعًا. الجميع يرى التنافس والتوتر بين المثلثين، لكن من وجهة نظر واشنطن، فإن الصيغة المثالية هي مواءمتهما معًا.

والنقطة التي سيصل إليها هذا المسار ستحدد موقع الشرق الأوسط في النظام العالمي الجديد. أما دور تركيا القيادي فلن يتغير، سواء تصادمت المثلثات أو تعانقت. والتغير الحاصل في سورية، بما يتجاوز التحليلات الجزئية، يؤشر بوضوح إلى ذلك.


كما أن الصيغة الأوروبية تجاه الصين باتت مرتبطة بتركيا بشكل صريح. ولهذا السبب تواصل أنقرة توجيه الرسالة إلى أوروبا المحتاجة سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا: «إذا أردتم البقاء لاعبًا استراتيجيًا في العالم الجديد، فعليكم العمل مع تركيا».


أما إيران؛ فبعد «إعادة ترتيب» المشهد السوري، نعلم أن طهران «المأزومة» كادت أن تتعرض لضربة خارجية خلال أحداثها الداخلية، ولم تنجُ إلا بفارق ضئيل. ولا يزال هذا الخطر قائمًا. ومن هنا يُفهم سبب اتصال الرئيس أردوغان بنظيره الإيراني بزشكيان وسط كل هذا الصخب. وتصريحه بعد الاتصال: «نحن ضد أي تدخل خارجي في إيران» يكشف حجم المخاطر.


وخلاصة القول: إن تحوّل تركيا إلى مركز جذب في مرحلة «البرزخ» العالمي يعود إلى حقيقة أن القوة والصفة القيادية تمتلكان جاذبية كبرى في الأزمنة الضبابية وغير المستقرة. وهكذا تُحصد ثمار المناطق الرمادية.

#تركيا
#أردوغان
#دافوس
#روسيا
#أوروبا