رسالة شنغهاي إلى واشنطن

10:495/09/2025, الجمعة
تحديث: 29/09/2025, الإثنين
قدير أوستون

يمكننا قراءة قمة منظمة شنغهاي للتعاون والعرض العسكري الضخم في بكين على أنهما تجليات لمساعي الصين في البحث عن شرعية دولية. إبراز بكين لشعار "تحسين الحوكمة العالمية" يشكّل نقدًا غير مباشر للأزمة التي يعيشها النظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة. الإعلان عن تأسيس بنك تنمية جديد وأدوات مالية بديلة يشير إلى أن البحث المستمر عن بدائل للنظام المالي الغربي بدأ يأخذ شكلاً ملموسًا. ومن الجدير بالذكر أن القمة، التي جمعت الصين والهند وروسيا إلى جانب جمهوريات آسيا الوسطى تحت مظلة أوسع في الجغرافيا الأوراسية،

يمكننا قراءة قمة منظمة شنغهاي للتعاون والعرض العسكري الضخم في بكين على أنهما تجليات لمساعي الصين في البحث عن شرعية دولية. إبراز بكين لشعار "تحسين الحوكمة العالمية" يشكّل نقدًا غير مباشر للأزمة التي يعيشها النظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة. الإعلان عن تأسيس بنك تنمية جديد وأدوات مالية بديلة يشير إلى أن البحث المستمر عن بدائل للنظام المالي الغربي بدأ يأخذ شكلاً ملموسًا.

ومن الجدير بالذكر أن القمة، التي جمعت الصين والهند وروسيا إلى جانب جمهوريات آسيا الوسطى تحت مظلة أوسع في الجغرافيا الأوراسية، لم تغب عن أعين واشنطن. الصور الودّية التي جمعت قادة الصين والهند وروسيا ـ والذين تحاول واشنطن بشتى الطرق إبعادهم عن بعضهم عبر التفاوض حينًا والتهديد حينًا آخر ـ أبرزت محدودية فاعلية السياسات الأميركية. كما أن عودة الولايات المتحدة إلى النزعات القومية والشعبوية، وتخليها عن الالتزام بالقواعد والمعايير التي وضعتها بنفسها للنظام الدولي، جعلت البحث عن بدائل يحظى باهتمام متزايد.

هل يمكن أن تصبح منظمة شنغهاي "ناتو آسيا"؟


تأسست منظمة شنغهاي للتعاون أساسًا كآلية لتعزيز الثقة الأمنية بين أعضائها. لكن الغرب انتقدها بوصفها منصة يتوحد فيها قادة أوتوقراطيون تحت ذريعة محاربة الإرهاب والانفصالية لقمع المعارضة الداخلية. إلا أن المنصة تحولت خلال العقد الأخير إلى أداة تخدم سعي الصين نحو اكتساب شرعية دولية. ومع انتقال التركيز من الأمن والتعاون الاقتصادي إلى مشروعات تنمية وتمويل دولية ملموسة، تصاعد الجدل حول إمكانية أن تكون المنظمة بديلًا للنظام الغربي.


القمة الأخيرة كشفت عن اتجاهات واضحة: الطاقة المتجددة، تمويل البنية التحتية، أنظمة المبادلات بالعملات المحلية، وخطابات الحوكمة العالمية. كلها تعكس محاولة الصين تقديم نفسها كمزوّد لخيارات تنموية غير مرتبطة بالولايات المتحدة.


بعد الحرب العالمية الثانية، قدمت أميركا ضمانات أمنية ومالية لإعادة إعمار أوروبا ومواجهة الشيوعية، مما أسفر عن نشوء مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والأمم المتحدة وحلف الناتو. أما اليوم، فإن عجز هذه المنظومة بقيادة أميركا عن الاستجابة للأزمات فتح الباب أمام البدائل، خصوصًا لدى قوى كالصين وروسيا والهند.

فحتى الناتو، الذي يُعَدّ أنجح التحالفات العسكرية تاريخيًا، واجه صعوبة في التوصل إلى موقف موحّد تجاه حرب أوكرانيا، ما أضعف ردعه في نظر القوى الأوراسية. يضاف إلى ذلك أن إدارة ترامب، باستخدامها العقوبات والرسوم الجمركية بشكل مفرط، قيدت قدرة واشنطن على التعاون ليس فقط مع خصومها بل مع حلفائها أيضًا.


أميركا – الصين: بين التنافس والمفاوضة


الخطوات الأميركية المتصاعدة، التي تبدو صارمة لكنها تفتقر إلى إطار استراتيجي متماسك، أظهرت أن واشنطن تواجه صعوبة في فرض إرادتها. تهديد روسيا لدول أعضاء في الناتو من دون تردد، والتحركات العسكرية الصينية المتزايدة حول تايوان، مثالان بارزان.

العرض العسكري الأخير في بكين، الذي استُعرضت فيه أنظمة تسليح جديدة، كان رسالة واضحة بأن الصين لم تعد تخشى الغرب. تصريح الرئيس ترامب بأن الهدف من العرض هو توجيه رسالة لواشنطن جاء تأكيدًا لذلك. ومع ذلك، فبرغم تنامي هذه البدائل الأوراسية بقيادة الصين، لا تزال بعيدة عن بلوغ العمق المؤسسي والفعالية التي يتمتع بها الناتو.


أما في المنافسة الأميركية ـ الصينية، فتبدو واشنطن متأرجحة بين التفاوض والعقاب. ففي عهد بايدن، ركزت على فرض قيود على نقل التكنولوجيا المتقدمة بالتوازي مع التفاوض. بينما لجأ ترامب إلى إجراءات أشد صرامة تشمل عقوبات وضغوطًا اقتصادية، لكنه اضطر في الوقت نفسه لمواصلة التفاوض.

فرض ترامب تهديدًا على الهند بسبب واردات النفط من روسيا، لكنه امتنع عن الخطوة نفسها مع الصين، خشية نسف المفاوضات التجارية وتعريض تجارة المعادن النادرة والأمن الاقتصادي العالمي للخطر. هذا يعكس أن الرسالة التي وجهتها قمة منظمة شنغهاي بأن "الشرق لم يعد يخشى الغرب" ليست بلا أساس.


أزمة الشرعية للنظام الأميركي


ما يظهره المشهد هو أن واشنطن باتت عاجزة عن تحديد قواعد اللعبة في تنافسها مع بكين أو عن فرض إرادتها عبر العقوبات. الارتباط الاقتصادي المتبادل بين أميركا والصين يجعل الانفصال التام مستحيلًا، ويدفع كلا الطرفين لاستخدام استعراض القوة بهدف تحسين شروط التفاوض.

غير أن فشل أميركا في تقديم رؤية بديلة للحوكمة العالمية سمح للبدائل التي تقودها الصين بأن تجد، ولو بشكل محدود، صدى في مناطق خارج الغرب. كما أن إخفاق واشنطن في "اختبار إسرائيل" أضر بمكانة المؤسسات الدولية.


تحويل الصين قوتها الاقتصادية نحو تمويل مؤسسات بديلة يعمّق محدودية قدرة أميركا على توجيه السياسات العالمية، خصوصًا في أوراسيا، وهو ما يعني توجيه ضربة إلى قدرتها على تشكيل ديناميات السياسة الدولية لصالح الغرب.

#منظمة شنغهاي للتعاون
#الصين
#روسيا
#واشنطن
#الحوكمة العالمية
#الناتو
#النظام الدولي
#المنافسة الأميركية ـ الصينية
#بدائل النظام الغربي
#أوراسيا
#العرض العسكري في بكين