رخصة "إنفيديا" وسباق الذكاء الاصطناعي بين أمريكا والصين

09:0413/08/2025, الأربعاء
تحديث: 25/08/2025, الإثنين
قدير أوستون

شهدت الولايات المتحدة والصين في السنوات الأخيرة صراعًا محمومًا على قيادة اقتصاد المستقبل. ويبرز مجال الذكاء الاصطناعي كأكثر الساحات اشتعالًا في هذا السباق، حيث تسارعت وتيرة التطوير بفضل استثمارات ضخمة خصصتها شركات التكنولوجيا الكبرى في العالم لأبحاث الذكاء الاصطناعي وتطوير الرقائق الإلكترونية. وليس من قبيل الصدفة أن تصبح شركة «إنفيديا» خلال السنوات القليلة الماضية الشركة الأعلى قيمة في العالم، إذ إن احتكارها تقريبًا لإنتاج رقائق الذكاء الاصطناعي جعلها تمثل ميزة استراتيجية تعزز التفوق الأمريكي. غير

شهدت الولايات المتحدة والصين في السنوات الأخيرة صراعًا محمومًا على قيادة اقتصاد المستقبل. ويبرز مجال الذكاء الاصطناعي كأكثر الساحات اشتعالًا في هذا السباق، حيث تسارعت وتيرة التطوير بفضل استثمارات ضخمة خصصتها شركات التكنولوجيا الكبرى في العالم لأبحاث الذكاء الاصطناعي وتطوير الرقائق الإلكترونية. وليس من قبيل الصدفة أن تصبح شركة «إنفيديا» خلال السنوات القليلة الماضية الشركة الأعلى قيمة في العالم، إذ إن احتكارها تقريبًا لإنتاج رقائق الذكاء الاصطناعي جعلها تمثل ميزة استراتيجية تعزز التفوق الأمريكي. غير أن حظر تصدير هذه الرقائق إلى الصين حمل معه مخاطر مزدوجة: خسارة الشركة الأمريكية لجزء مهم من السوق، وفي المقابل دفع بكين إلى تطوير قدراتها الوطنية.

بفضل نشاطات الضغط (اللوبي) التي قادها المدير التنفيذي لـ«إنفيديا» لترويج هذه المخاوف، وافقت إدارة ترامب مؤخرًا على منح شركتي «إنفيديا» و«إيه إم دي» رخصة تصدير محدودة إلى الصين، وهو ما يشير إلى اعتراف واشنطن بأن ضغوطها الاقتصادية وقيودها على التصدير لن تكفي وحدها لوقف تقدم بكين.


إذن تصدير إلى الصين


حصول «إنفيديا» الشهر الماضي على ترخيص لتصدير رقائق ذكاء اصطناعي إلى الصين يمثل تحولًا لافتًا عن سياسات كل من ترامب – الذي أشعل الحرب التجارية مع بكين – وبايدن الذي حظر التصدير لاحقًا. فكلاهما حاول تقييد وصول الصين إلى المنتجات الأمريكية المتقدمة. وفي حين سعت واشنطن إلى عرقلة شركات صينية مثل «هواوي» و«بي واي دي» من دخول الأسواق الأمريكية والأوروبية، فإنها في المقابل لم تكن مستعدة لتحمّل خسائر كبرى لشركاتها مثل «إنفيديا».


وتبرز هنا معضلة أخرى: إذا اضطرت الصين، فقد تتمكن من تصنيع هذه الرقائق بنفسها، بما يحررها من هيمنة الشركات الأمريكية. لهذا قبلت إدارة ترامب حجة السماح بتصدير رقائق أقل تطورًا، في مقابل أن تتعهد «إنفيديا» باستثمار 500 مليار دولار داخل الولايات المتحدة، إضافة إلى منح الحكومة الفيدرالية 15% من عائداتها من المبيعات إلى الصين.


ومنذ وصول ترامب إلى الحكم، دأبت حكومات وشركات عديدة على التعهد باستثمارات ضخمة في أمريكا لكسب رضاه. ووعد «إنفيديا» يندرج في السياق ذاته، لكن أثره الفعلي على تحول الصناعة الوطنية ما زال غير واضح. وما يثير الجدل أكثر هو قبول الشركة بدفع نسبة من أرباحها للحكومة، وهو أمر غير مألوف في الأوساط الأمريكية، واعتُبر «ضريبة تصدير» مقنّعة.


في الوقت الذي تسعى فيه واشنطن لإبطاء مسار الصين في الذكاء الاصطناعي، فإنها تعمل في المقابل على فرض منتجاتها ومعاييرها بوصفها المعيار العالمي. ومن أجل ضمان هيمنة المعايير الأمريكية، تبنّت إدارة ترامب مقولة إن بيع رقائق أقل تطورًا مثل «H20» من «إنفيديا» و«MI308» من «إيه إم دي» سيبقي الصين متأخرة بخطوة.


لكن التجربة أثبتت أن بكين قادرة على تحقيق قفزات نوعية بالاعتماد على تقنيات أقل تقدمًا، عبر استثمار مكثف في الكمّية، والذاكرة، والبنى التحتية الشبكية. وعليه، فإن الرقائق الأقل تقدمًا التي صممتها «إنفيديا» لتجاوز القيود التصديرية قد تصبح، إذا استُخدمت ضمن مراكز بيانات متطورة وبرمجيات عالية الكفاءة، كافية لتقليص أثر تلك القيود.


أمن قومي أم مصالح تجارية؟


تحاول الولايات المتحدة، من جهة، إعادة تشكيل سياستها الصناعية الوطنية عبر الحمائية والرسوم الجمركية، ومن جهة أخرى توظيف ضوابط التصدير كسلاح جيوسياسي ضد الصين. لكنها حين ترى أن هذه السياسات تضر بمصالح شركاتها الكبرى، تجد نفسها مضطرة إلى التراجع. إدارة ترامب لا تتردد في الإقرار بأن أي مرونة من هذا النوع لها ثمن، وأنها تسعى صراحة إلى اقتطاع حصة من عائدات التصدير.


هذا التناقض يكشف عن إشكالية مزدوجة: واشنطن تريد إبطاء صعود الصين في مجال التكنولوجيا المتقدمة، لكنها في الوقت ذاته لا ترغب في التضحية بالمكاسب التجارية لشركاتها. والنتيجة صورة مضطربة للأمن القومي الأمريكي، حيث تختلط اعتبارات الحماية الأمنية مع اعتبارات الربح.


صحيح أن الرقائق هي العنصر الأبرز في سباق الزعامة على الذكاء الاصطناعي، لكن إدارة المنظومة التقنية الأوسع واستراتيجية استثمارها لا تقل أهمية. وتذبذب السياسة الأمريكية بين «الحظر الكامل» و«التصدير المشروط»، مع النظر إلى عائدات بيع الرقائق كمورد مالي للخزانة الفيدرالية، يوضح أن إدارة ترامب تحاول تحقيق أكثر من هدف في وقت واحد.


وإذا ترسّخت قناعة بأن رفع القيود التصديرية يقابله ثمن مالي، فسيصعب على واشنطن إقناع حلفائها بالابتعاد عن السوق الصينية. وبالتالي، من الصعب النظر إلى رخصة التصدير الممنوحة لـ«إنفيديا» كجزء من استراتيجية صناعية شاملة؛ بل تبدو أقرب إلى محاولة لحماية مصالح الشركات الأمريكية على المدى القصير، وتوفير مورد مالي جديد للحكومة.


مع ذلك، تبقى النتائج غير محسومة. فبالرغم من أن أمريكا تنتج أفضل الرقائق في العالم، فإن الصين تتفوق في مجالات تطبيقية عدة للذكاء الاصطناعي. والميزة التي تمتلكها بكين – المتمثلة في غياب القيود الصارمة على استخدام البيانات الشخصية، إضافة إلى إمكانيات التخطيط المركزي على نطاق واسع – قد تساعدها في تجاوز نقاط ضعف رقائق «إنفيديا».


إن مسألة الترخيص الأخيرة تكشف بوضوح أن واشنطن لم ترسم بعد استراتيجية متماسكة لمواجهة بكين في مضمار التكنولوجيا. فهي تتأرجح بين هاجس الأمن القومي وحسابات المصالح التجارية، الأمر الذي يجعل «رخصة إنفيديا» مؤشرًا على تخبط السياسة الأمريكية أكثر مما هو دليل على وضوح رؤيتها المستقبلية.

#انفيديا
#الذكاء الاصطناعي
#رقائق الذكاء الاصطناعي
#الصين
#أمريكا