"مشروع القانون الكبير والجميل" وتجليات الشعبوية المختلفة

11:394/07/2025, vendredi
تحديث: 31/07/2025, jeudi
قدير أوستون

تشغل الساحة السياسية في واشنطن هذه الأيام مناقشات حول تمديد التخفيضات الضريبية، وخفض الميزانية، وتمويل نظام الضمان الاجتماعي. النسخة الأولى من القانون الذي يُطلق عليه الرئيس دونالد ترامب اسم "القانون الكبير والجميل" كانت قد أُقرت سابقًا في مجلس النواب. أما النسخة التي أُقرت هذا الأسبوع في مجلس الشيوخ، فقد مرت بصعوبة بفضل صوت نائب الرئيس جاي دي فانس، وذلك بعد معارضة ثلاثة من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين. هذا التطور قرّب ترامب من إعلان نصر تشريعي في يوم الاستقلال الأميركي في 4 يوليو. لكن لا تزال هناك

تشغل الساحة السياسية في واشنطن هذه الأيام مناقشات حول تمديد التخفيضات الضريبية، وخفض الميزانية، وتمويل نظام الضمان الاجتماعي. النسخة الأولى من القانون الذي يُطلق عليه الرئيس دونالد ترامب اسم "القانون الكبير والجميل" كانت قد أُقرت سابقًا في مجلس النواب. أما النسخة التي أُقرت هذا الأسبوع في مجلس الشيوخ، فقد مرت بصعوبة بفضل صوت نائب الرئيس جاي دي فانس، وذلك بعد معارضة ثلاثة من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين. هذا التطور قرّب ترامب من إعلان نصر تشريعي في يوم الاستقلال الأميركي في 4 يوليو.

لكن لا تزال هناك خطوة حاسمة، إذ يجب توحيد نسختي القانون من مجلسي الكونغرس في صيغة واحدة والتصويت عليها مجددًا، بينما لا يملك الجمهوريون ترف خسارة عدد كبير من الأصوات. ويُتوقع أن يتم تمرير مشروع القانون في نهاية المطاف بفضل جهود ترامب المكثفة، إلا أن هذا القانون قد يتحوّل إلى عبء ثقيل على الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2026، خاصة وأنّ التخفيضات المتوقعة في برامج الضمان الاجتماعي لا تحظى بشعبية لدى الناخبين. ففي الوقت الذي يُخصص فيه المزيد من الميزانيات للأمن القومي وحماية الحدود، من المرجّح أن تُقابل أي تخفيضات في مساعدات الضمان الاجتماعي للمواطن الأميركي العادي بردّ فعل سلبي في صناديق الاقتراع.


التخفيضات الضريبية وعمليات الترحيل


كان ترامب قد نجح في ولايته الأولى في تمرير تخفيضات ضريبية تمثل جوهر السياسات الجمهورية التقليدية، وهو ما استفادت منه شركات الأعمال الأميركية. فقد شجّعت هذه التخفيضات الشركات الأميركية على إعادة جزء كبير من أموالها الموجودة في الخارج إلى الداخل، مما أبهج الأسواق المالية. ورغم أنها ساهمت في تحسين المؤشرات الاقتصادية بشكل ملحوظ حتى تفشي أزمة كورونا. فقد تعرّضت للانتقاد لأنها صبّت في مصلحة الشركات الكبرى وأصحاب الدخل المرتفع.


وفي مرحلة ما بعد الجائحة، أفسحت الأجواء الاقتصادية الإيجابية المجال لحالة من القلق بسبب حزم التحفيز الاقتصادي التي أُقرت في عهدي ترامب وبايدن، والتي أسهمت في ارتفاع معدلات التضخم. ومع ذلك، نجح ترامب في تحميل بايدن مسؤولية الأوضاع الاقتصادية، واستعاد تأييد الناخبين بالتذكير بمكاسب التخفيضات الضريبية التي أُقرّت في ولايته الأولى.


واليوم، يقترب ترامب من الوفاء بوعده بمواصلة التخفيضات الضريبية، لكنه بذلك يدفع الجمهوريين نحو المخاطرة. فبدلًا من الاكتفاء بحزمة التخفيضات الضريبية، أضاف ترامب إلى القانون زيادات كبيرة في الموازنة، من أبرزها تخصيص 100 مليار دولار إضافية خلال أربع سنوات لوكالة الهجرة والجمارك التي تنفذ عمليات الترحيل، ليُضاف إلى ميزانيتها السنوية البالغة 10 مليارات دولار.


وفي ظل التزامهم بتعهد تحفيز الاقتصاد عبر تخفيض الضرائب، يجد الجمهوريون أنفسهم مضطرين إلى القبول بزيادة الإنفاق على أمن الحدود. لكن إقرار هذه الميزانية الضخمة لعمليات الترحيل، والتي كانت محل جدل واسع في السياسة الأميركية خلال الأشهر الستة الماضية، يواجه عقبة كبرى، إذ يُتوقع أن تُضيف البرامج الجديدة نحو 3.5 تريليون دولار إلى الدين العام خلال عشر سنوات. وهذا ما يصعّب على ترامب إقناع الجمهوريين، على الرغم من استمرار تمتعه بدعم سياسي قوي قد يسمح له بتمرير القانون في نهاية المطاف.


تخفيضات الضمان الاجتماعي


رغم أن الدولة الأميركية لا تُعرّف نفسها كدولة رفاه اجتماعي، فإن برامج مثل "ميديكير" و"ميديكيد"، التي أُنشئت لأول مرة في ستينيات القرن الماضي، توفر تغطية صحية لكبار السن وذوي الدخل المنخفض، وتحظى بشعبية كبيرة. وبالإضافة إلى برنامج التأمين الصحي للأطفال وبرامج التأمين التي أُقرّت في عهد أوباما، تشكل هذه البرامج نحو 24% من الميزانية الفيدرالية.


ومع ارتفاع العجز المالي بعد التخفيضات الضريبية وزيادة الإنفاق في عهد ترامب، لا يبدو أن هناك بديلًا واقعيًا سوى خفض الإنفاق في هذه البرامج. وعلى الرغم من أن الجمهوريين المحافظين يؤمنون بضرورة تقليص دور الدولة في التعليم والصحة، فإنهم يدركون أيضًا أن هذه الخطوة مكلفة سياسيًا.


هذا التناقض بين خطاب التقشف المالي ومتطلبات السياسة الواقعية يُرغم الجمهوريين على التنازل عن بعض مبادئهم المالية. وإذا ما أصرّوا على تقليص الإنفاق الاجتماعي، فقد يدفعون ثمنًا سياسيًا باهظًا في الانتخابات المقبلة. فسيكون عليهم أن يشرحوا للناخبين في دوائرهم المحلية سبب تصويتهم لصالح خفض برامج الضمان الاجتماعي، وهم في الوقت نفسه يسعون للاستفادة من شعبية ترامب وتجنب غضبه.


بالتالي، يمكن القول إن السياسة الأميركية تتجه نحو المزيد من التبعية بين السياسة المحلية والوطنية، وتغدو الشخصيات السياسية ذات الكاريزما القوية، مثل ترامب، أكثر تأثيرًا. وفي المقابل، يظهر في صفوف الديمقراطيين رد فعل على هذا التوجه يتمثل في تصاعد شعبية تيار اليسار التقدمي ممثلًا في بيرني ساندرز وألكساندريا أوكاسيو-كورتيز.


ومن هذا المنطلق، يبدو أن السياسة الأميركية تسير نحو مرحلة من التقلّب بين الشعبوية اليمينية واليسارية.

#الشعبوية
#ترامب
#بايدن
#القانون الكبير والجميل
#خفض الضرائب
#اليمينية
#اليسارية