
أظهرت زيارة الرئيس ترامب إلى الخليج أن الولايات المتحدة لن تسعى إلى تطوير سياسة شاملة تجاه الشرق الأوسط، بل ستعتمد بدلًا من ذلك على المضي قدمًا من خلال صفقات تبادلية. وأوضح أداء ترامب خلال الزيارة أن ما بعد فترة بايدن، التي اتسمت بانعدام الرؤية السياسية، قد أفسح المجال لمرحلة جديدة تقوم على خطوات سياسية براغماتية تُتخذ مقابل اتفاقات تجارية وتقنية مباشرة.
وتبرز عدة أمثلة على براغماتية ترامب في التعامل مع الجميع وفقًا لأولوياته، من بينها: تعافيه بعد فضيحة البيت الأبيض المرتبطة بزيلينسكي، والانخراط المباشر في مفاوضات نووية مع إيران، وتبادل الأسرى مع حركة حماس، واتفاق الهدنة مع الحوثيين في اليمن. كما أن الاتفاقات التجارية والتكنولوجية الضخمة التي أُعلنت مع كلٍّ من السعودية وقطر تُظهر بوضوح أن ترامب يعطي الأولوية للعلاقات الاقتصادية دون أن يُولي اهتمامًا كبيرًا لقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان.
أما عن إعلانه عقب لقائه مع الزعيم السوري أحمد الشرع عن نيتهم رفع العقوبات عن سوريا، فهو يعكس توجّهًا جديدًا، غير أن مدى استمرارية هذا التوجه لا يزال غير واضح. ومع ذلك، يمكن القول إن واشنطن بدأت تتقبل واقع أن النظام الإقليمي في الشرق الأوسط سيتشكل من قبل الفاعلين الإقليميين أنفسهم، ولا مفر من ذلك.
إن الأهمية التي أولتها الولايات المتحدة لحلفائها التقليديين في الشرق الأوسط، كالسعودية وإسرائيل ومصر، قد ازدادت بالفعل خلال الفترة الأولى من حكم ترامب. فعلى عكس الرؤساء الديمقراطيين الذين كانوا يواجهون ضغوطًا من الرأي العام الأمريكي وجماعات الضغط المقرّبة من إسرائيل لإظهار حساسية تجاه قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم العربي، كان الجمهوريون أكثر تحررًا في علاقاتهم.
وبينما حافظ بوش على علاقات جيدة نسبيًا مع دول الخليج، اتخذ أوباما موقفًا أكثر تحفظًا، إذ خصّص جهدًا كبيرًا لتطبيع العلاقات مع إيران.
لكن رغم توقيع أوباما على الاتفاق النووي مع إيران، إلا أنه لم ينجح في تحويله إلى اتفاق دولي ملزم يمنع ترامب من إلغائه لاحقًا.
وبعبارة أخرى، استطاع أوباما تجاوز معارضة الحلفاء التقليديين، أي إسرائيل والسعودية، للاتفاق مع إيران، لكنه لم يتمكن من تحييد هذه المعارضة بالكامل.
أما ترامب، فبمجرد وصوله إلى السلطة، سارع إلى رفع مستوى علاقاته مع الحلفاء التقليديين وبدأ سياسة "الضغط الأقصى" على إيران. وقد ألغى الاتفاق النووي، وظنّ أنه سيتمكن من تحقيق أهدافه بهذه الطريقة، حتى إنه لم يتردد في إعطاء أمر اغتيال قاسم سليماني، ما كاد أن يُشعل حربًا أمريكية–إيرانية.
لكن بعد فشله في التوصل إلى اتفاق، وخسارته للسلطة، عاد ترامب اليوم أكثر تصميمًا على إبرام اتفاق مع إيران.
ولم تعد معارضة إسرائيل لهذا الاتفاق تبدو مقنعة بالنسبة له، نظرًا إلى تغيّر التوازنات الإقليمية التي لم تعد تصبّ في صالح إيران. كما أن السعودية لم تعد ترى في إيران تهديدًا وجوديًا.
وعليه، فإن ترامب لا يرى في تحسين علاقاته مع حلفائه التقليديين، كالسعودية وإسرائيل، مخاطرةً سياسية داخلية، مما يمنحه حرية أكبر في التحرك. بل ويتجاوز العودة إلى الحلفاء التقليديين، ليقدم نفسه على أنه مستعد للتفاوض مع أي طرف يريد التعاون مع الولايات المتحدة.
من الواضح تمامًا، وبما لا يدع مجالًا للإنكار، أن سياسة تركيا تجاه سوريا قد حققت نجاحًا كبيرًا، ويبدو أن الرئيس ترامب قد اعترف بذلك بل وأعرب عن رضاه أيضًا.
وبالنسبة لترامب، الذي جعل من إنهاء الحروب اللامتناهية في الشرق الأوسط أحد الركائز الأساسية في برنامجه السياسي، فقد باتت الظروف مهيأة للانسحاب "المنظم" من سوريا.
إذ يوجد في دمشق قائد قادر على تحقيق الاستقرار السياسي، وتم إخراج إيران من الساحة السورية، كما تراجعت قدرة إيران على دعم حزب الله عبر سوريا، بينما خفّضت روسيا وجودها في هذا البلد إلى أدنى حد.
في المقابل، أعلنت كل من السعودية وقطر استعدادهما للاستثمار في إعادة إعمار سوريا، وتبرز تركيا كأكبر داعم لسوريا، وكضامن رئيسي للاستقرار السياسي والدبلوماسي فيها.
هذا المشهد العام يبدو أنه قد دفع ترامب، بعد استماعه لنصائح الرئيس رجب طيب أردوغان، إلى اتخاذ قرار "إعطاء فرصة" لسوريا.
وتحمل مشاهد المؤتمر الذي شارك فيه الرئيس أردوغان عبر تقنية الفيديو دلالات كبيرة؛ فهي بمثابة تأكيد على أن إحلال السلام والاستقرار في سوريا من دون تركيا أمر غير ممكن.
وخلال الحرب الأهلية السورية، اجتازت تركيا أزمات كبرى، وتمكنت من إدارة ملفي الإرهاب واللاجئين بصبر ومسؤولية، ما يجعل آراء أردوغان ذات أهمية حاسمة.
ولا يقتصر الدور التركي على الملف السوري فقط، بل إن الدور الحاسم الذي لعبته في أزمة أوكرانيا يزيد من وزن كلمتها وتأثيرها الإقليمي.
ومن المؤكد أن العلاقة الشخصية بين ترامب وأردوغان لها أهمية، لكن الأهم من ذلك هو ما حققته تركيا على الأرض، وخبرتها الطويلة في التعامل مع فاعلين مثل إيران وروسيا، وهي خبرة لا يمكن إنكارها.
كما ستكون استثمارات الخليج في إعادة إعمار سوريا، إلى جانب قدرة الولايات المتحدة على كبح جماح فاعلين محتملين معرقلين مثل إسرائيل، عناصر محورية في المرحلة القادمة.
وإلى جانب هذه المعادلة، فإن قدرة تركيا على توفير الاستقرار الأمني، وخبرتها في مكافحة الإرهاب، وقوتها الدبلوماسية، وعقلها الاستراتيجي، ستلعب دورًا بالغ الأهمية في مستقبل سوريا.
ويمكن القول إن الدافع الأهم وراء ما يُعرف بـ"رياح ترامب" هو التوجّه البراغماتي الذي تنتهجه أمريكا حاليًا، مبتعدة عن مقاربتها الأيديولوجية التقليدية للشرق الأوسط.
ولا يبدو مستغربًا أن يواصل ترامب، الذي اتّبع سياسة شديدة الانحياز لإسرائيل في فترته الأولى، نفس النهج مجددًا.
لكن ترامب بات يدرك الآن أن التحولات التي تشهدها سوريا تُحدث تأثيرًا مباشرًا في الديناميات الأساسية للمنطقة، وقد أوجدت واقعًا جديدًا.
وهو يسعى، عبر تحويل هذه الديناميات إلى فرصة في سياق أمريكي، إلى تحقيق انسحاب منظم من سوريا، وفي الوقت ذاته فتح الطريق أمام حلفائه في الخليج للاستثمار هناك.
وفي هذا السياق، أعلن ترامب عن رفع العقوبات المفروضة على سوريا بهدف تشجيع الاستثمار، وهو يعلم جيدًا أن الطرف القادر على تأمين هذا الانسحاب المنظم هو تركيا.
تشهد المنطقة تغيرات متسارعة، وأكبر دليل على ذلك هو مشهد مصافحة أحمد الشرع، الذي وضعت الولايات المتحدة سابقًا مكافأة لمن يدل عليه، مع الرئيس ترامب.
وحتى لو انحسر تأثير "رياح ترامب"، فإن تحويل الديناميات الجديدة لهذه المرحلة إلى مكاسب دائمة سيكون لصالح المنطقة بأكملها، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال فاعلين إقليميين مثل السعودية وقطر وتركيا.
اسم BIST محمي مع الشعار وفق شهادة ماركة محمية، لا يجوز الاستخدام دون إذن، ولا يجوز الاقتباس ولا التحوير، كل المعلومات الواردة تحت شعارBIST محفوظة باسم BIST ، لا يجو إعادة النشر. بيانات السوق توفرها شركة iDealdata Finans Teknolojiler A.Ş. بيانات أسهم BİST تتأخر 15 دقيقة